القرطبي

90

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السابعة - قوله تعالى : ( فان تابا ) أي من الفاحشة . ( وأصلحا ) يعني العمل فيما بعد ذلك . ( فأعرضوا عنهما ) أي اتركوا إذا هما وتعييرهما . وإنما كان هذا قبل نزول الحدود . فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية . وليس المراد بالاعراض الهجرة ، ولكنها متاركة معرض ، وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة ، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى . والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي . قوله تعالى : انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكما ( 17 ) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال أبى تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ( 18 ) فيهما أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( انما التوبة على الله ) قيل : هذه الآية عامة لكل من عمل ذنبا . وقيل : لمن جهل فقط ، والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر . واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ، لقوله تعالى : ( وتوبوا إلى الله جميعا آية المؤمنون ( 1 ) ) . وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه - خلافا للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائبا من أقام على ذنب . ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل السنة . وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها ، وإن شاء لم يقبلها . وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف ، لان من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه ، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم ، والمكلف لهم ، فلا يصح أن يوصف بوجوب شئ عليه ، تعالى عن ذلك ، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ( 2 ) ) .

--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 238 ( 2 ) راجع ج 16 ص 25 فما بعد .